الأصل والصورة

لم أنتبه لحرارة الفنجان إلا حين لسعت القهوة لساني.
شهقة صغيرة باغتتني، كأن الألم أيقظني من غيبوبة قديمة…
وما لمحته عيناي للحظة وجيزة جعل الماضي يتشكّل أمامي، حاضرًا بكل ثقله، كأن السنوات لم تمر أصلًا.

ذات الانحناءة في الجلسة، وذات الالتفاتة السريعة، وحين اعتلت الابتسامة ذلك الثغر، برزت معها غمازتا الخدين، شاهدتين على ضحكة ما زالت تصدح في ذاكرتي.

حين ابتسمت، لم أرَ الغمازتين فقط، بل رأيتُ أثر ضحكةٍ، كنت أظنّ أن الزمن قد طمسها.

كأن بعض التفاصيل، لا تموت، بل تنتظر وجهًا آخر لتعود.
وتلك العينان… بسحرٍ ناعس، ونظرةٍ كادت تخطف قلبي، كأنها استعادت من الغائبة سرَّ حضورها.
حتى الخصلات التي انسدلت على كتفيها، ناعمة كالماء، كثيفة السواد كليلٍ عقيم، لا يعرف فجرًا ولا نجومًا،
تتماوج مع أنفاسها بخفّة، كأنها ما زالت تحيك لي ذات السحر القديم.

لحظةً أربكتني الرؤيا… كدت أصدق أنها هي، لكن الزمن لا يجيد المجاملات؛ من عرفتها غيّبتها السنوات، كما غيّبتني أنا.
أيّ سرّ يختبئ خلف هذا الوجه المستعاد؟
شبه عابر؟ أم انعكاس من دمها يسير أمامي، كأن الماضي بعث نفسه في جسد جديد؟

ظللت أحدّق بها مأخوذًا، أخشى أن تفضحني عيناي إن طال النظر أكثر.
وما إن سمعتُ من يناديها باسمها، حتى ارتجف قلبي… الاسم ذاته الذي كانت (تلك) تحلم أن تهمس به لطفلتها يومًا ما.
وحين نهضت تغادر، التفتت بغتة، فالتقت عيناها بعينيّ…
اهتز كياني، وقد أطالت النظر إليّ، كأنها تشبّه عليّ هي الأخرى، أو كأنها تعرفني من زمنٍ ما.
ثم غادرتني بابتسامتها القاتلة… تلك الابتسامة ذاتها، الندبة التي ما زال قلبي ينزف منها كلما حاول النسيان.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *