ذلك الشيءَ
الذي كلما حاولتُ
أن أصفه...
اكتشفتُ
أنَّ اللغةَ أضيقُ منكِ.

غافلَ النومُ جفوني،فعزفَ السَّهَرُ على أوتارِ ليلي،والسماءُ بنجومِها تُغازلُ حضوري،حتى وجدتُني أغيبُ في سُكْرِ ضوئها،وأسبحُ غارقًا بغيبوبةِ نشيدِ الوجود،إلى أن باغتتني نسمةُ ليلةٍ باردةأيقظت فيَّ الذكرى،واستبدَّ بي الحنينُ إليك. فانسكب قلبي على أرصفةِ الماضي،فداعبت أنفي رائحةُ تلك الأيام،وتناهى إلى مسمعي ذاك الهمسُ الشهيُّ،وخُيِّلَ ليدي أنَّها تلامسُ ذلك الدفءَ،فابتسمت…

عندما شعر أن التعب قد أنهك ما تبقى من قواه، استلقى على سريره، باحثًا عن لحظات يجمع فيها شتات نفسه المبعثرة. ظل هائمًا، وعيناه تجولان في سقف حجرته. أطال النظر إلى لون طلائه، وهمس في داخله: جميل جدًا… كان اختيار هذا اللون الأرجواني للسقف موفقًا. توقف برهة. تذكّر…

حين انتصف الليل، وخلد الكون إلى سكونه، اشتعلت في داخلي رغبة في الولوج إلى ذلك الكهف. ترددت قليلًا في بادئ الأمر؛ فلربما كان الجميع في سبات، كهذا الذي يغلف كوننا الكبير. لكنني سرعان ما تذكرت أن لا توقيت في ذلك المكان؛ فلا هو ولا ساكنوه يعرفون الهجوع إلا…

أهربُ من ذِكراكِ،لكنّي حين أفتّشُ بين أشيائيأجدُها… أشياءكِ. ذلك الفنجانُ الذي أهديتِني،وتلك اللوحةُ المعلّقة،وهذه الريشة…وهذا الدفترُبلونه الذي أحببتُه. وحين أنظرُ إلى كلِّ هداياكِ،أجدُ لونيَ المفضّليتوزّع في كلِّ زاوية،كأنكِ تركتِنيلأراكِ في الألوانقبل أن أراكِ في الظلّ. وحين أعودُ إلى سريري،أجدُ، مصادفةً، شالَكِيلتفُّ حول حلمي،كأنّه يذكّرنيأنكِ ما زلتِ هنا. أهربُ…

أأنتِ الصباحُ،وتلك الأناشيدُ التيتتلوها الطيورُفي أعراسِ سمائه؟ أم أنتِ لذّةُارتشافِ قهوتي،وسكّرُها المباح؟ أم تلك النسائمُالتي تثير هدوءَهبرحيقها الفوّاح؟ أتعلمين، يا سيّدتي،أنّه بحضوركِتشرق شمسُه،وأن غبتِ يومًا…غاب معكِ الصباح؟

في هذا المساء الذي يشوي الكون بحرارته، كنت مختليًا بذاتي في محرابي، أداعب أوراقي وقهوتي، محتميًا من لهيب «يوليو» الخانق والحارق بتلك الدفعات الباردة الصادرة من المكيف. حتى بدأ ذلك الطرق المزعج يتسلل إلى مسمعي، ويشتت عزلتي وهدوئي. أُجبرت على النهوض، وإن كان متثاقلًا، وأنا أجر قدمًا خلف…

حينما كان يرتشف فنجان قهوته المعتاد، الذي يكون عنوان بداية يومه، كانت هي تراقب ذلك التناغم بينه وبين معشوقته السمراء، وهي تحتضن وسادة الأريكة التي تجلس عليها، وتتخذها برجًا للمراقبة، كأنها تشعر بالغيرة من ذلك الانسجام، خاصةً وهو لا يعيرها اهتمامه، رغم أنها لو تعلم أنها هي قهوته…

في مراهقتك ترتبك كل خياراتك، حينما تكون خاضعة للتغيير والتبدل، للتعثر.. التشتت.. للانقلاب.. والتحول. أمامه فقط رست سفينتي، ورفضت الإبحار في جزر مجهولة المعالم، غثه.. رثه.. لا تروي مسمعي وترضي ذوقي، عندما تنامى الى قلبي قبل أذني، ذلك الصوت الذي أحدث ثورة، انقلبت معها جيوش مشاعري، وإحساسي وذائقتي،…

حين نفقد إنسانًا بالموت، يكون الألم قاسيًا، لكنه واضح. نعرف ما حدث.ونعرف لماذا نبكي.ونعرف إلى أين رحل. لكن هناك فقدًا مختلفًا… أن يبقى من تفتقده حيًا، ويعيش على الأرض نفسها، وفي المدينة نفسها، ويعبر الشوارع ذاتها التي تعبرها كل يوم. أن يبقى حيًا، بينما يموت كل ما كان…

هناك اعتذارات تصل بعد أن تكون قد فقدت قدرتها على إصلاح شيء. مثل باقة ورد تصل متأخرة، فيكون الذبول هو مصيرها. يقولون: أن تصل متأخرًا خيرٌ من ألا تصل… إلا الاعتذار. فإذا وصل في غير موعده، فقد أثره، ولم يعد قادرًا على تضميد جرح، كبيرًا كان أم صغيرًا.…