ذلك الشيءَ
الذي كلما حاولتُ
أن أصفه...
اكتشفتُ
أنَّ اللغةَ أضيقُ منكِ.

في زاوية ذلك المطعم كنت أجثو فوق مقعدي أمام طاولة لايزال بها مقعد أخر في انتظار صاحبه، تنقلت عيناي كأنها عدسة فتوغرافية تحاول مسح المكان، توقفت عدستي لمنظر تلك الطفلة التي يبدو انها لم تتجاوز الثالثة من عمرها، ربما لشعوري بحزنها البريء المرسوم على خدودها، التي تحوي بتبللها بالدموع في وقت قريب، كانت تلك الصغيرة تكتسي الحزن الذي له لون العتاب على والديها او احدا منهما، تخيلت أن سبب حزنها لم يكن الا لرفض اقتناء شيئا ما كانت تريده ، لم ترمش عيني عنها فقد شعرت بمشاركتي لها ذلك البؤس المؤقت ،الا أن نظرات والدها هي من دعت عدستي للتحرك في اتجاه اخر ، نحو ذلك الرجل الوحيد كما هي حالتي حتى تلك اللحظة، لكنه كان سارحا يهيم في تفكير يبدو أنه عميق، حتى أنه لم يسمع للنادل في المرة الاولى حينما جاءه يسأله عما يريد تناوله ، تهامس معه حتى ذهب النادل مبتسما، فعاد هو هذه المرة نحو هاتفه يتصفح منصاته، وبذات ذلك الوجه الرابض فوق سحناته الكثير من الهم ، حتى تخيلت انه نابع من هم حياتي يتكبده رجل في منتصف الاربعين مثله، لديه عدد من الابناء وزوجه بالطبع ،وشقه مستأجره وراتب لا يجف بلل المتطلبات ، لم أشعر بأنني أصبحت أهيم في تفاصيل وجهه حتى تنبهت لنظرته الحاده، التي كانت تقول بالتأكيد الى ما تنظر او لماذا ، فتحركت عدستي سريعا لا تعلم الى اين هي ذاهبه، حتى ارغمتها للبقاء على سطح الطاولة الرخامية، لكنها لم تكن قادرة على مقاومة تلك اللوحات الواقعية، عندما دار نحو تلك المرأة التي تعثرت في طريقها نحو طاولتهما، هي والرجل الذي كان معها ، وما ان جلسا حتى بدأت جوله من العتاب الحركي الواضح، كانه كان يحاول مراضاتها او تهدئتها ، وهي لا تكف عن التلويح بيديها معترضة مره، ورافضه في مره اخرى ان يحتويها بيديه، حتى شعرت أنا الاخر بتلك اليد التي تربت على كتفي ،معلنه قدوم صديقي الذي سيشاركني العشاء، وتوقف عدستي المزعجة في التقاط تلك اللوحات الحياتية في مكان غير عام.