العرافة

((ستتزوج مرتين في حياتك، لن تنجب من زوجتك الأولى، وستكون الثانية هي من تأتي لك بالأبن الموعود، لكنه لن يكون من صلبك!)) ….

 استقيظ من نومه كالملدوغ الذي يتذوق سم أفعى قاتلة، تعوذ من الشيطان الرجيم وهو يسمي باسم الله، كانت تلك الجملة قد سمعها قبل عشرون عاماً، في تلك البلد العربية التي زارها في شبابه مع صديقيه.

بالأمس كان هو زوجته لدى الطبيبة التي أخبرتهما بالنبأ الجميل، ابنة جيرانهم القدامى التي أرتبط بها منذ العام الفائت، بعد انفصاله عن ابنة عمه بعد زواج لم يستمر أكثر من عامين، كان الطلاق عنوانه الأخير بعد موجه من الخلافات والصراع.

ظل يحلق بعينيه باتجاه السقف وهو يستعطف الذكريات لتعود به لتلك اللحظة، التي داهمت فيها امرأة عجوز الشقة التي يقطنها هو وصديقاه، غجرية الملامح والملبس بائسة الحال والمظهر، قشعر بدنه منذ أن دلفت عليهم فجأة، قبل أن تعرض خدماتها وهي توجه نظرها نحوه هو بالذات، كان يصرخ بصديقيه بأن يخرجوها، وهي لا تزال تنظر اليه وتوجه اليه كلامها، ((عيونك تحكي أسرار ، والخوف منها سبب تعبك، هات يدك أقراها لك )) ، وبعد صراع ما بين رفضه ورغبتهما الممزوجة بالكثير من الفضول، كان هو الخيار الأول لتجربة تلك اللعبة ، دقائق معدودة اختلت به في احدى الغرف ، قبل أن يخرج صارخاً بها وبصديقيه بأن يطردوها للخارج .

ما الذي نفض تلك الذكرى في مخيلته الآن، حتى شعر برذاذ ترابها يشوش تفكيره، ظل يصارع تلك الأعاصير ويقاومها، وهو يحاول أن يحتمي بقناعاته ومعتقداته في تلك الأمور، ((أستغفر الله العظيم وأتوب إليه))، تلك الزفرة التي انتشلته من بين تلك الغبرة القاتمة، خرج من غرفة النوم باتجاه الصالة وهو يشتم نوم ما بعد الغداء، كانت عينيه تبحث عنها، قبل أن يميح غمسها بالماء، لم تكون موجود في كل زوايا الشقة، بحث عن هاتفه وحينما بادرها بسؤاله، أجابته ((أنا عند أمي، لم أرغب في أزعجاك وافساد نومك))، حاول كثيراً طرد تلك الهواجس المزعجة ، لكنه ما أن يقوم بتشتيتها عن فكره ، حتى تعود لتتربع في تفاصيل كل شي يعبر في دهاليز ذهنه .

  • ألم تنتهي من أحاديثك مع أمك!
  • للتو قدمن شقيقاتي، هل تريد أن اعود يا حبيبي؟
  • مع من ذهبتِ؟
  • بسيارتي …

استدرك أخيراً ما يقوم به فما كان منه الا أن سمح لها بمزيد من الوقت للبقاء مع أسرتها، ((ماذا فعلت أيها الأحمق؟، لم يتبقى لك سوى أن تجعلها تسمعك أصوات أمها وشقيقاتها!))، ظل يتخبط في متاهات أفكار مشوهه تقبض على عقله ، لم يجد وسيلة سوى أن تقوده قدميه نحو آلة صنع القهوة القابعة في ذلك الركن ، الذي وجده يتزين ببالونات ملونة تحمل عبارات ترحيب بذلك المولود المنتظر ، تناول كوب قهوته الذي جهزته له تلك الآلة ، وهو لا زال يغوص في حربه الضروس مع تلك الأوهام الخبيثة ، اعتدل في جلسته وغاب لوقت لا يعلم كم مقداره ، وهو سارح في تفاصيل تلك الرحلة المشؤومة ، لم يفق الا على صوت وهو الباب يعلن عن عودتها .

  • ما بك يا حبيبي؟
  • لا شي، كيف أمك وشقيقاتك..
  • الحمد لله بخير، وأمي تهديك السلام.
  • الله يسلمها.
  • تريد شيئاً قبل أن أذهب لتبديل ملابسي، هل شربت قهوتك؟
  • لا شكراً، قد شربتها.

لا يعلم لماذا درات عينيه نحوها وهو يتفحص ما ترتديه، ويتابع خطواتها وجسدها الذي لا تخفى عليه منه خافيه، لمح هاتفها الجوال بجواره فهتف به شيطانه ((أفتح هاتفها وستجد ما تبحث عنه، هيا سريعاً قبل أن تعود))، كانت يده تمتد بحذر حتى تصل الى الهاتف ثم تعود ادراجها، فيعود ذلك الهمس الشيطاني لتشجيعه على فعلها، ولكن لماذا يريد التلصص على هاتفها وهو يعرف رقمه السري، الذي لا تخفيه عنه.

((هيا أيها الجبان فقط دعنا نتأكد أنها لم تقم بتغيير الرقم السري))، وحينما استولى عليه رجم الرجيم وتناول هاتفها وجد الرقم كما هو، لكن ذلك التشجيع عاد ليتفحص أخر المكالمات والرسائل، شعر برجفه في يديه لا يستطيع ايقافها، تفحص كل شي بشكل سريع فلم يجد شيئاً غريب، ((ربما أنها قد قامت بطمس الدلائل))، لم يقطع حبل تلك الوشاية سوى قدومها مبتسمة لتحتل أقرب مساحة بالقرب منه.

  • متى استيقظت حبيبي، وماذا فعلت منذ ذلك الحين؟
  • لم يمضي لي وقت طويل..
  • ماذا بك يا نظر عيني!
  • لا شي، فقط مزاجي متقلب من حلم حلمته.
  • تجاهله وتعوذ من الشيطان الرجيم.

كيف له أن يتجاهله أو يطرد شيطانه الذي يقف فوق رأسه، وكل ما حاول انزاله وقف له في كل شي حوله، لم يجد الحل الا في الخروج من المنزل ومن اجواءه ورؤيتها، ربما عندما يغادر كل ما يذكره يستطيع النسيان، او حتى الكف عن التفكير به، فقرر الذهاب الى اصدقاءه في (الديوانية) التي يجتمعون بها.

لم يكن حاله هناك أفضل مما كان عليه في منزله، وأن حاول الهاء نفسه بالحديث مع اصدقاءه، ومشاهدة مباراة في كرة القدم تعرض مباشرة حينها، كان كلام تلك العجوز لا يبرح ان يفارقه لبرهه حتى يعود جاثماً على فكره، تذكر أن من المتواجدين بالجلسة أثنين كانا معه في تلك الرحلة، شعر برغبة في سؤالهما عن تلك الواقعة، بعد أن تسلح بكامل شجاعته وألقى بذلك السؤال أمامها ، حتى علت ضحكات (علي) ، وهو يحكي للجميع الحالة التي كان عليها (عادل) حينما خرج من الغرفة التي غاب هو والعرافة بها ، كان الجميع يتضاحكون وهم يطالبونه بأخبارهم بما حدث معها في تلك الغرفة ، تذكر حينها أنه لم يخبر سوى (خالد) بما قالت له ، فنظر اليه فوجده مبتسماً هو ايضاً ، مما يعني أن الجميع قد علم بتلك الواقعة ، التي كان يظن انها مدفونة في غياهب النسيان ، شعر أنه ولأول مره غير قادر على رفع عينه في عين أحدهم ، (( هم لم ينسوا تلك العجوز الشمطاء وما قالت لي ، إذا هم يعلمون بأن ذلك القادم ليس من صلبي ! ، كم كنت مغفل طوال هذه السنوات وأنا لا ألمح الاستهزاء وربما الشفقة في نظراتهم لي )) .

أصابته الحيرة فماذا يفعله حينها، هل يحفر من تحته ما يجعله يختفي عن انظارهم، هل يقطع تلك العلاقات التي تجمعه معهم سنوات عمره، دارت في رأسه ملايين الأعذار يحاول السيطرة على أحدها، كي تكون سبيله للهروب منهم، ولكن كيف له الهرب من المصيبة بكبرها، لا يدري كيف ساقته قدماه الى خارج سريعاً، هل هو هروب بلا عودة الى تلك الاستراحة وأولئك الأصدقاء، ام أنه الحل الذي طرئ على عقله ويريد سريعاً تنفيذه، لكن الوقت متأخر للقيام به الصباح رباح كما يقال.

كان هو زوجته يقفان أمام غرفة المختبر وهي لا تتوقف عن البكاء، وهو غير مبالي لحالها ولتلك الصدمة التي ألقها عليها، كل ما يريد أن يتأكد من ذلك التبصير، وتلك العجوز المجرمة التي دمرت تفكيره، طوال اليومين الماضية ، (( أربعة وعشرون ساعة حتى تظهر النتائج)) ، هز راسه للطبيب الذي لا يعلم كم تعني تلك الساعات في عداد حيرته وشكوكه، كيف سيقضيها وهو تائه في أفكاره ، كيف سينام وهي تغلب كل رغباته في ملذات الحياة ، ينتظر اشراقة شمس الغد بلهفة مختلطة بالجنون ، وشمس الحقيقة التي ربما غابت عنه كل تلك السنون ، حتى جاءت الشمس التي ازاحت كل الغيوم ، وسقط عن صدره ذلك الجاثوم ، (( النتائج متطابقة ما بينك وبين الجنين )) ، تلك الكلمات التي كانت ينتظرها ، وكانت لها وقع السحر لحالته ، الذي انقلبت بقدر قادر الى سعادة لا حدود لها ، لم يتمهل حتى يأخذ صورة من النتيجة ، عندما قاد سيارته مسرعاً نحو منزله ، نحو زوجته ، كي يحتضنها ويعتذر لها ، وحينما دخل لم يجدها .

محمد شنيف
محمد شنيف
المقالات: 19

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *