ذلك الشيءَ
الذي كلما حاولتُ
أن أصفه...
اكتشفتُ
أنَّ اللغةَ أضيقُ منكِ.

حين انتصف الليل، وخلد الكون إلى سكونه، اشتعلت في داخلي رغبة في الولوج إلى ذلك الكهف.
ترددت قليلًا في بادئ الأمر؛ فلربما كان الجميع في سبات، كهذا الذي يغلف كوننا الكبير. لكنني سرعان ما تذكرت أن لا توقيت في ذلك المكان؛ فلا هو ولا ساكنوه يعرفون الهجوع إلا حين أنام أنا.
دلفت إليه ببطء.
وما إن خطوت خطواتي الأولى حتى سمعت صوت الباب ينغلق خلفي.
لم تعد الظلمة تخيفني. أصبحت جزءًا من طقوس المكان، بعد أن اعتدت النزول إليه كلما ضاق بي الخارج واتسع ما في داخلي.
لم أكد أتوغل فيه حتى دهمني ذلك الألم المفاجئ.
توقفت بلا شعور.
بدأ صغيرًا، كخبر عابر، ثم ما لبث أن انتشر في أرجائي، حتى جاءني ذلك الصوت. تردد صداه في جوانح الكهف، كأنني أقف بين جبال تحاصرني من كل اتجاه.
— ما الألم؟
كنت أنوي تجاهله.
أعرف هذا الصوت جيدًا؛ أكثر الأصوات فضولًا بين أشقائه. لكنني، لسبب لا أعرفه، قررت أن أجيبه. ربما لأنني أعلم ما سيفعله إن لم أفعل؛ سيظل يردد سؤاله كالببغاء، حتى ينتزع إجابة تُسكِت فضوله المزعج.
قلت:
— الألم… بكاء قلوب صامتة لا تعرف الدموع. قرصة مباغتة تعتصر لحظات الفرح والهدوء، ثم تمضي، أو نظن أنها تمضي، حتى تعبر سماؤنا سحب تحمل شيئًا من الأمل.
صمت قليلًا، ثم عاد:
— وما الأمل؟
— نور فجر يتسلل من خلف تلال بعيدة وسحب حاجبة. شمس تشرق على أرض ظنت طويلًا أنها خراب، وأعياها الانتظار حتى نسيت شكل الضوء.
— وما الحزن؟
— وحش لا يحتاج إلى أن نراه كي نعرف أنه هنا. ينشب أنيابه في الداخل، ويقتات على ما في القلب من طمأنينة، حتى يجعلك تشك في أن شيئًا اسمه السعادة مرّ بك يومًا.
لم ينتظر طويلًا.
— وما السعادة؟
ابتسمت.
— أن تهدأ الحرب بينك وبين نفسك. أن تتصالح دواخلك مع ما يظهر منك، فلا تقول شيئًا ويصرخ داخلك بنقيضه. هي سلام لا يحتاج إلى ضجيج كي تشعر به.
سمعته يتمتم:
— دواخل… مشاعر… أحاسيس؟
قلت متثاقلًا:
— أشياء لا تجيد الاستئذان. تأتي متى شاءت، وتعبث بمزاجك كما تشاء، ثم تفضح وجودها في عينيك وصوتك وملامحك، مهما حاولت أن تأمرها بالسكون.
— والتلبد؟
أخذت نفسًا طويلًا.
بدأت أندم على فتح باب الحديث معه.
— أن تصل إلى مرحلة لا يحزنك فيها شيء كما ينبغي، ولا يفرحك شيء كما ينبغي. أن تصبح كصحراء جرداء؛ لا تنتظر مطرًا، ولا ترفع رأسها إلى السماء.
سكت.
تنفست براحة.
لعل فضوله شبع أخيرًا.
لكن صوته عاد من عمق الكهف:
— على ذكر السماء… هل تمطر في الخارج؟
أغمضت عيني.
— لا أعلم، لكننا في فصل الصيف.
— ألم تسمع بسحابة صيف من قبل؟
التفت نحو الباب.
— بلى.
وضعت يدي على المقبض وفتحته.
ثم قلت:
— كما ستسمع أنت الآن صوت إغلاق الباب.
وخرجت.