الحجرة

عندما شعر أن التعب قد أنهك ما تبقى من قواه، استلقى على سريره، باحثًا عن لحظات يجمع فيها شتات نفسه المبعثرة.

ظل هائمًا، وعيناه تجولان في سقف حجرته. أطال النظر إلى لون طلائه، وهمس في داخله:

جميل جدًا… كان اختيار هذا اللون الأرجواني للسقف موفقًا.

توقف برهة.

تذكّر أنها هي صاحبة ذلك الاختيار. أصرت عليه رغم معارضته؛ فقد كان يريده أبيض.

الأبيض سيد الألوان، وهو الخيار الذي لا يخطئ.

سمع صوتها في ذاكرته، كأنها ما تزال واقفة أمامه:

وما أدراك أنت بلعبة الألوان؟ دع هذه الأمور عنك… إنها فلسفتنا الخاصة، نحن بنات حواء.

تنبه إلى الذكريات وهي تتساقط عليه من ذلك السقف.

أشاح بوجهه عنه.

سقف لعين… ولون أحمق.

انقلب على جنبه الأيمن، هاربًا بعينيه إلى الحائط، فوقعتا على اللوحة المعلقة هناك.

البندقية.

آه… ما أجمل البندقية وبحرها الساحر.

أطال النظر في تفاصيل اللوحة، حتى أخذته ذاكرته إلى ذلك العام؛ حين سافر معها إلى تلك المدينة ضمن رحلة استجمام تجاوزت عشرين يومًا. تنقلا خلالها بين إيطاليا وألمانيا وسويسرا، وبين مدن لا يكاد الآن يتذكر منها إلا ما كانا فيه معًا.

كان ذلك في ذكرى زواجهما الأولى.

الزواج الذي لم يبلغ عامه الثاني.

اللعنة على هذه اللوحة هي الأخرى.

أدار لها ظهره، متعمدًا ألا يرفع عينيه إلى السقف مجددًا، فإذا بهما تقعان على تحفة صغيرة في الجهة الأخرى من الغرفة: ثلاثة أهرامات جاءت من أرض الكنانة.

تذكّر خان الخليلي.

اشتراها من هناك قبل أن تضج شوارع القاهرة بثورة التحرير.

آه، يا القاهرة… ونيلها. ليس ثمة مدينة تشبه ذلك السحر الذي يسكن حتى اسمها.

وفجأة صرخت الذاكرة في رأسه.

هذه التحفة…

كانت هي من اختارتها.

وهي من وضعتها هنا!

حدق في الأهرامات الثلاثة لحظة.

ثم، بحركة خاطفة، أطاح بها بيده.

ارتطمت بالأرض وتناثرت؛ كل هرم بعيدًا عن صاحبيه.

ظل ينظر إليها وهو يلتقط أنفاسه.

كل شيء في هذه الحجرة يمت إليها بصلة.

السقف.

اللوحة.

الأهرامات.

حتى الأشياء التي ظنها يومًا اختياراته، اكتشف أن ذاكرتها تسكنها.

كم أصبحت أمقت هذه الحجرة… لا، هذا المنزل كله. لم تترك فيه شيئًا دون أن تضع عليه بصمتها.

نهض وخرج.

قادته قدماه إلى أقرب مكتب لبيع وشراء العقارات، وقد عقد العزم على التخلص من المنزل كله.

المنزل الذي ضحى من أجله بالكثير.

كم رحلة سفر واستجمام تنازل عنها، وكم سيارة راقت له وحلم باقتنائها ثم صرف النظر عنها. وذاك القرض البنكي الذي ظل يثقل كاهله منذ حصل عليه، وتلك الخصلات البيضاء التي بدأت تزاحم سواد شعره وهو لم يزل في مطلع الأربعين.

كل ذلك كان قربانًا لهذا الحلم.

حلم خططا له معًا؛ أن يكون لهما منزل العمر…

ولهؤلاء الذين سيأتون بعدهما.

أبناؤهما.

توقف عند الفكرة.

أين هم أولئك الأبناء؟

أربعة أعوام مضت وهو ينام ويصحو على أمل سماع ذلك الخبر.

لم يترك مستشفى في الداخل، ولا بابًا للعلاج في الخارج، إلا طرقه بحثًا عن ذلك الحلم. حتى رحلاتهما كانت تنقسم بين النزهة والعلاج؛ من الهند إلى مصر، وصولًا إلى لندن.

لكن الحلم لم يشأ أن يتجسد أمام عينيهما.

ورغم ذلك كله…

ورغم كل ما قدمه لها، مما استطاع ومما لم يستطع، قررت في لحظة واحدة أن ترحل.

دون مبررات استطاع أن يفهمها.

حملت حقيبتها وقالت:

سأذهب إلى منزل أبي.

هكذا.

وكأن البيت الذي أفنى سنواته في بنائه يمكن أن يُترك خلفها بهذه السهولة.

ظل السؤال يؤلمه منذ رحيلها:

كيف استطاعت؟

كان يعرف أنه أحبها أكثر مما ينبغي، وأن غيرته عليها تجاوزت أحيانًا ما ينبغي. لكنه، حتى تلك اللحظة، لم يستطع أن يتقبل أن يكون ذلك الخلاف كافيًا لتهدم كل شيء.

كل ما حدث أنه رفض طلبها.

أرادت أن تخلع غطاء وجهها، وأن تكون كاشفة مثل أخواتها وصديقاتها، ومثل كثيرات تغيرت حولهن الحياة.

وهو رفض.

رفض بشدة.

وتجادلا.

ثم حملت حقيبتها ورحلت.

عاد إلى المنزل في المساء.

فتح الباب، ودخل إلى المكان الذي قرر قبل ساعات فقط أن يبيعه.

وقف في منتصف الصالة.

نظر حوله طويلًا.

كان يريد بيتًا لا تسكنه.

مكانًا لا يذكره بها.

حيزًا واحدًا فقط…

لا تشغله.

لكنه، للمرة الأولى، أدرك أن بيع المنزل لن يكون كافيًا.

فبعض الأشياء لا تسكن البيوت.

تسكن أصحابها.

محمد شنيف
محمد شنيف
المقالات: 26

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *