الصوت الجريح… ومكانه غير الخالي

في مراهقتك ترتبك كل خياراتك، حينما تكون خاضعة للتغيير والتبدل، للتعثر.. التشتت.. للانقلاب.. والتحول. أمامه فقط رست سفينتي، ورفضت الإبحار في جزر مجهولة المعالم، غثه.. رثه.. لا تروي مسمعي وترضي ذوقي، عندما تنامى الى قلبي قبل أذني، ذلك الصوت الذي أحدث ثورة، انقلبت معها جيوش مشاعري، وإحساسي وذائقتي، وهو يدنن:

يا سامعي أنت معي.. هذا أنا..

بكتب على صوت الزمن..

أسمك بنور..

يا صوتي المشحون شجن..

دافي الشعور..

فارتبكت معه كل الخيارات، وسقطت أمامه كل الأصوات، ظللت أبحث عنه في كل حرف ولحن، حتى عايشته في كل آه وآه، وهو كالبدر يحتل في ليلي سماه، ويقاسمني سهري ووحدتي وهواجسي.

في عيون البشر..

أضحك وأسولف..

ولا كن في شي..

وأنا المجروح..

حتى تشربت صوته.. حزنه.. ألمه.. شجنه، فأنشب مخالبة في ذكرياتي.. مراهقتي.. كبري.. فرحي.. حزني

في كل حالاتي، صمتي وحديثي، بكائي وضحكي.

كانت معي..

طول العمر عين وهدب..

كانت معي..

من الصغر حب أنكتب..

كانت معي..

غدى صوته يدغدغ أيامي، يحاصر لحظاتها السابقة والآنية، صوته الذي يثير شجني.. حزني.. ألمي ينتشلني من عالمي الى عوالمه الساحرة، بانياً لي تلك القصور الأسطورية، أقف على نافذتها، مستمعاً لهمسه

بيني وبينك..

غربة كنها الليل..

ما عاد يذكرنا مكان التلاقي..

أرحل مع النسيان..

وبرحل مع سهيل..

ما عاد في قلبي لك اليوم باقي..

كذلك هو أخذني الى تلك الغربة، بعيداً عن كل صوت يحاول يغريني، وهو يرغبني به أكثر وأكثر، ويدعوني اليه دون الآخر، ويمحي كل النشاز الذي عبر من خلال سمعي، وحاول طمس معنى الجمال بعالمي

 مرني.. مرني..

إذا الوقت يسمح لك وتقدر..

مرني.. مرني..

ترى أنت عمري كله وأكثر

فحطت رحالي التي ملت الترحال في رحابه، ولم أعد أطيق أن أغادره، وهو في كل قصة عشتها كان معي، وبكل محطة نزلت بها، وجدته أمامي، يعزف همي، يشير اليه كأنه يعرف كل ما به من تفصيله، وحين يداوي جرحي، ويضمد دماءه كأنه يعلم سببه وعلاجه.

نسيتك نسيتك..

بعد ما كنت اعاني زحمة الاحزان..

نسيتك نسيتك..

لأن الله عطاني نعمة النسيان

كان الداعم الخفي لكل موقف، ولكل حالة تضطر فيها للانسحاب الاجباري، لكل ضعف ينهش ما تبقى بي من قوة، يرمم تلك الندبات، بصوته والكلمات.

لو تكون أنت وكل الناس ضدي..

الله معاي..

لو مشيت بالعناد والتحدي..

الله معاي..

يترنم بكل كلمة كانت تنوي مشاعري على قولها، وعجزت عنها حروفي أو حتى أصابعي، يكون صوتي.. يكون قوتي.. يكون حرفي الذي يطوعه قلمي

أنا اللي يوم تمنيتك..

ترجيتك وناديتك..

أنا اللي قلت كل الفرح بيتك..

تعب صوتي ومليتك..

تعب قلبي وخليتك..

حبيبي لا ابد مو أنت..

ذاك للي تمنيتك..

أنا أسف أذا في يوم حبيتك..

في الغياب والحضور، في الشوق والحنين، أجده سلاحي وبندقيتي، خيلي ودرعي، جيشي وقائدي لحظة يا بقايا الليل لحظه..

لحظة ما بقى بالحيل لحظة..

بالهدا ياليل.. ما بقى بي حيل..

حسيت أني بأنحرم شوفي..

ما أقدر أوادع قطعة من جوفي..

يحاول مداوة تلك اللحظات التي تهزم بها نفسي، يقلب أوراقي ويخرج من بين سطورها، قراري المتخاذل والخائف، ويبرزه للسطح، حتى أكتشف المسار الصحيح، والطريق نحو الراحة الأبدية، مما يكبل ويقيد استقراري وهدوئي.

لا خطاوينا وراها لقاء..

وأن تلاقينا نتلاقى بشقاء..

لازم واحد فينا يضحي..

يقسى وينسى الذكرى ويمحي..

ومهما دمعي ودمعك هل..

بيدي وبيدك يبقى الحل..

اما بجرحك او بجرحي..

لازم واحد فينا يضحي..

فرحل عن عالم البشر، رحل جسداً وروحاً، ولكنه لم يرحل عن عالمي، عن لحظات عزلتي وسكوني، وعن دفاتر ذكرياتي، ويومي وأمسي، لم ترحل كلماته التي تداوي الجروح، وصوته الذي يلامس الروح، لا يزال في ذاكرتي، وفي حكاياتي، التي طويت صفحاتها، والتي لم تصل الى سطرها الأخير، وبقي مكانه.

مكانه الخالي..

محد ملاه..

أشوفه بعيني..

وأسرح معه..

محمد شنيف
محمد شنيف
المقالات: 26

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *